الشوكاني
331
فتح القدير
من تحتها جبريل ، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها . وقد اختلفت الروايات عن السلف ، هل هذا المنادى هو جبريل أو عيسى . وأخرج عبد بن حميد عن أبي بكر بن عياش قال : قرأ عاصم بن أبي النجود ( فناداها من تحتها ) بالنصب ، قال : وقال عاصم من قرأ بالنصب فهو عيسى ، ومن قرأ بالخفض فهو جبريل . وأخرج الطبراني وابن مردويه وابن النجار عن ابن عمر : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إن السرى الذي قال الله لمريم ( قد جعل ربك تحتك سريا ) نهر أخرجه الله لها لتشرب منه . وفى إسناده أيوب بن نهيك الجبلي قال فيه أبو حاتم الرازي : ضعيف ، وقال أبو زرعة : منكر الحديث ، وقال أبو فتح الأزدي : متروك الحديث ، وقال الطبراني بعد إخراج هذا الحديث : إنه غريب جدا . وأخرج الطبراني في الصغير وابن مردويه عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله ( قد جعل ربك تحتك سريا ) قال : النهر : وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وصححه والحاكم وابن مردويه عن البراء قال في الآية : هو الجدول ، وهو النهر الصغير ، فظهر بهذا أن الموقوف أصح . وقد روى عن جماعة من التابعين أن السرى هو عيسى ، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( رطبا جنيا ) قال : طريا . وأخرج ابن المنذر وابن مردويه في قوله ( إني نذرت للرحمن صوما ) قال : صمتا . وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري عنه أنه قرأ " صوما صمتا " سورة مريم الآية ( 27 - 33 ) لما اطمأنت مريم عليها السلام بما رأت من الآيات وفرغت من نفاسها ( أتت به ) أي بعيسى ، وجملة ( تحمله ) في محل نصب على الحال . وكان إتيانها إليهم من المكان القصي التي انتبذت فيه ، فلما رأوا الولد معها حزنوا ، وكانوا أهل بيت صالحين ( فقالوا ) منكرين لذلك ( يا مريم لقد جئت ) أي فعلت ( شيئا فريا ) قال أبو عبيدة : الفري العجيب النادر . وكذا قال الأخفش . والفري القطع ، كأنه مما يخرق العادة ، أو يقطع بكونه عجيبا نادرا . وقال قطرب : الفري الجديد من الأسقية : أي جئت بأمر بديع جديد لم تسبقي إليه . وقال سعيد بن مسعدة : الفري المختلق المفتعل . يقال فريت وأفريت بمعنى واحد ، والولد من الزنا كالشئ المفتري ، قال تعالى - ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن - وقال مجاهد : الفري العظيم ( يا أخت هارون ) . قد وقع الخلاف في معنى هذه الأخوة ، وفى هارون المذكور من هو ؟ فقيل هو هارون أخو موسى ، والمعنى : أن من كانت نظنها مثل هارون في العبادة كيف تأتي بمثل هذا ، وقيل كانت مريم من ولد هارون أخي موسى ، فقيل لها يا أخت هارون ، كما يقال لمن كان من العرب : يا أخا العرب ، وقيل كان لها أخ من أبيها اسمه هارون ، وقيل هارون هذا رجل صالح في ذلك الوقت ، وقيل بل كان في ذلك الوقت رجل فاجر اسمه هارون ،